رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
311
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
وفي خطبة أخرى : « لم يَتَقَدَّمْه وقتٌ ولا زمانٌ ، ولم يتعاوَرْه زيادةٌ ولا نقصانٌ ، بل ظَهَرَ للعقولِ بما أرانا من علامات التدبيرِ المُتْقَنِ والقضاءِ المُبْرَمِ ، فمِنْ شواهد خَلْقِه خَلْقُ السماواتِ مُوَطِّداتٍ بلا عَمَدٍ ، قائماتٍ بلا سَنَدٍ » الخطبة . « 1 » وفيما ذكرنا من الآيات والروايات تنبيهات وتلويحات على أنّ فطريّة المعرفة الواردة في الأخبار الكثيرة إنّما هي بمعنى حصول موجبات المعرفة من فُشُوّ آثار الصنع والتدبير في جميع أجزاء العالم ، وظهورها لكلّ من له حظٌّ من العقل وقسطٌ من التمييز ، وما قيل من أنّه بمعنى خلق المعرفة بلا مدخليّة مشاهدة الآثار ، فلعلّه رجمٌ بالغيب . وفي كتاب الإهليلجة للصادق عليه السلام : « والعجب من مخلوقٍ يزعم أنّ اللَّه يخفى على عباده ، وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيبٍ يبهر عقله ، وتأليفٍ يبطل حجّته » الحديث . « 2 » والفرق بين قولنا بفطريّة هذا القدر من المعرفة - أعني معرفة أنّ لنا خالقاً عليماً قادراً - وبين قول جماعة بنظريّته أنّ قياسنا الموجب للتصديق من نوع قياسٍ معروفٍ موسومٍ بين العلماء بالقياس الفطري ، ومعلومنا من النتائج المسمّاة بينهم بقياساتها معها ، فلا تحتاج إلى تجشّم الحركتين المعتبرتين في النظريّات . نعم ، قد يغشى بعض النفوس يوم الغفلة ، فيحتاج إلى التنبيه والتذكير ، كما قال تعالى : « أَ فَلا تَذَكَّرُونَ » « 3 » ؛ « أَ فَلا يُبْصِرُونَ » « 4 » ؛ « أَ فَلا يَنْظُرُونَ » « 5 » ؛ « إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ » « 6 » ؛ « فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى » « 7 » ؛ « وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » « 8 » ، وعلى ذلك يحمل قوله تعالى : « أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ » « 9 » ، وقول أمير المؤمنين عليه السلام : « لا تَستطيعُ عقولُ
--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، ص 260 ، الخطبة 182 . ( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 152 . ( 3 ) . يونس ( 10 ) : 3 . ( 4 ) . السجدة ( 32 ) : 27 . ( 5 ) . الغاشية ( 88 ) : 17 . ( 6 ) . ق ( 50 ) : 37 . ( 7 ) . الأعلى ( 87 ) : 9 . ( 8 ) . الذاريات ( 51 ) : 55 . ( 9 ) . الأنعام ( 6 ) : 50 .